العمالقه مش ذكريات
بقلم د.نورهان صبري
الفن مش مجرد لوحة متعلقة على حيطة أو أغنية بنسمعها وخلاص، الفن ده هو المراية اللي بتعكس روح المجتمع في كل زمان. والفرق بين فن زمان وفن دلوقتي حكاية طويلة، فيها تطور كبير بس فيها برضه حنين للأصل والقيم اللي بنينا عليها وجداننا. زمان، الفنان كان بياخد وقته عالاخر عشان يطلع عمل يعيش. الملحن ممكن يقعد شهور يظبط في كوبليه ، والرسام يقضي سنين في لوحة واحدة. كان فيه احترام مرعب للتفاصيل، والأهم من كده كان فيه رسالة. أيقونات زي أم كلثوم، عبد الوهاب، وفاتن حمامة مكنوش مجرد أسماء بتغني وتمثل، دول كانوا مدرسة في الرقي والذوق، وأعمالهم لسه عايشة وبنسمعها كأنها معمولة النهاردة.
للأسف، بقينا بنشوف في الفترة الأخيرة، وخصوصاً في بعض البرامج والمنصات الإعلامية، نوع من الاستسهال في الكلام عن جيل العمالقة. فيه إعلاميين وصناع محتوى من الجيل الجديد بيتعاملوا مع الرموز دي كأنهم أسامي عادية أو تاريخ قديم ملوش علاقة بالواقع، وأحياناً بيطلع الكلام بلهجة فيها نوع من التعالي أو عدم الإدراك لقيمتهم الحقيقية. الإعلام بقا بيدور على السكوب أو الإثارة، فممكن يركز على موقف شخصي بسيط في حياة فنان عملاق ويسيب تاريخه الفني كله، وده بيظلم القيمة الكبيرة اللي قدمها. لازم الجيل الجديد في الإعلام يفهم إن عدد اللايكات مش هو اللي بيعمل فنان، العمالقة كسبوا خلودهم لأن فنهم كان حقيقي وصادق، مش عشان كانوا تريند ليومين.
الرموز دول مش صفحة وانطوت ولا مجرد ذكريات من الماضي، دول هما الأساس اللي مهد الطريق لأي حد شغال في الفن أو الإعلام النهاردة. احترام قيمتهم مش مجرد تقدير أدبي، ده اعتراف بالفضل ووعي بالهوية الفنية. قبل ما أي إعلامي يتكلم عن رمز من رموزنا، لازم يعرف إن الناس دي قضت عمرها كله في رحلة تعب وإبداع عشان يوصلوا لدرجة الإتقان اللي خلت أساميهم محفورة في القلوب.
مش غلط إننا نتطور ونستخدم التكنولوجيا، بالعكس ده مطلوب. بس الشطارة إننا نحافظ على روح الفن وقيمته. اللي ملوش قديم، ملوش جديد، والفن اللي ملوش جذور في تاريخ العمالقة، هيفضل فن هش، ومصيره النسيان بمجرد ما بريق السرعة يختفي.
رسالتي لكل إعلامي شاب أو صانع محتوى: قبل ما تمسك المايك وتتكلم عن قامة فنية كبيرة، اتعب شوية وثقف نفسك، اقرأ عن تاريخهم، اسمع أعمالهم بتركيز، واعرف ليه هما فضلوا عايشين لحد دلوقتي رغم مرور السنين. الإعلام مش بس كاميرا وإضاءة، الإعلام مسؤولية وأمانة، وأول خطوات النجاح الحقيقي هي إنك تعرف قيمة الأساتذة اللي لولاهم مكنتش هتبقى موجود في المكان ده