"أسطورة تخطّى فيها الخيال الواقع… ودفن معها الحدود بين الحقيقة والسينما"
حكايات القراصنة عبر الزمن بقت زي ما تكون جرعة تقيلة من الأساطير، مختلطة بشوية وقاحة بحرية وشجاعة مالهاش تفسير، لدرجة إنك ساعات تحس إن القصص دي اتولدت عشان تبقى مسلسلات، مش تاريخ اتسجل بدم ورعب فوق سطح ميّة ملهوش عمق.
وفي وسط ده كله… ظهر قرصان اسمه هيكتور باربوسا، شخصية في فيلم، بس تأثيره مش بتاع شاشة… تأثيره بتاع أسطورة.
الراجل اللي شفناه على السفينة، بصوته الخشن، وعيونه اللي بتلمع كأنها شايفة اللي محدش شايفه، ماكانش مجرد خيال كاتب… ده كان انعكاس لراجل تاني، راجل عاش قبل السينما بمئات السنين: قرصان عثماني اسمه خير الدين باربروسا.
شخص ماكانش عنده معارك صغيرة ولا خلافات بسيطة… ده كان بيخوض حرب مع دول كاملة، وكل مرة… كان بيطلع هو الطرف اللي مش مجني عليه ولا جانٍ، هو الطرف اللي انت مش فاهم جه منين أصلاً.
أسطورة ماعرفتش تُمنَح اسم واحد… يعني هل كان بطلاً؟ ولا كان قاتلًا بيسرق أرواح سفن كاملة باسم البحر؟
مفيش حد قدر يحسم.
زي ما مفيش حد قدر يحسم إذا كانت شخصية باربوسا في الفيلم مجرد خيال… ولا نسخة تانية اتولدت من رماد تاريخي لمحارب حقيقي.
القصة بدأت لما ديزني قررت تعمل عالم عن القراصنة. الطبيعي؟ كانوا يختاروا شخصية خيالية مبتكرة.
اللي حصل؟ لا.
قرروا يزرعوا في الفيلم ملامح رجل كان صوته في البحر يومًا بيهز قلوب البحارة.
واحد عاش على منطق “الهيبة قبل الرحمة”… والبحر بالنسباله كان وطن ونعمة ونقمة في نفس الوقت.
ومع إن باربوسا اللي في الفيلم بيبان شرير… الحقيقة إن اللي عاش قبل قرون كان أكتر غموضًا.
كان عنده قدرة يخلي الناس تشوفه بطل… وفي نفس اللحظة يشوفوه لعنة.
زي ما الفيلم نفسه قدمه: مش الطيب… ولا الشرير… هو التعريف الحي للإنسان اللي اتولد وسط الفوضى فبقى هو كمان فوضى ماينفعش تتسجن في خانة واحدة.
والغريب؟
إن القصة اللي بتبان بسيطة—قرصان في فيلم—لما تدوري جواها تلاقي نفس العقدة اللي بنشوفها في جرائم البشر:
حد بيحارب… حد بيموت… حد بيختفي… وحد بيطلع بطل حتى لو ملوّث.
الدنيا عمرها ما كانت أبيض وأسود، حتى في البحر.
وبين الحقيقة والخيال، بين باربروسا اللي كان بيحكم الميّة وباربوسا اللي كان بيحكم الشاشة…
اتولدت أسطورة.
أسطورة بتثبت إن الخيال ساعات ما بيعملش أكتر من إنه يعيد تدوير الواقع… بس بلعنة أعمق، وبهالة أكبر، وبموتيف يخلي كل اللي بيسمع الاسم يقف لحظة ويسأل نفسه:
"هو ده كان إنسان… ولا كابوس اتكتب له يعيش للأبد؟"
وفي الآخر…
زي كل الحكايات اللي بنسمعها…
الأساطير بتفضل، لكن البحّارة الحقيقيين بيروحوا.
ولو قصتهم اتنسيت… هيطلع بدلها قصة تانية توجعنا، بس في كل الأحوال:
لا الحقيقة ولا الخيال عمرهم بيرجعوا اللي ضاع… ولا بيملاوا الفراغ اللي سابه.
فريق ضوء خافت
بقلم:فاطمة طارق