الإمام العلّامة عبد الحكم السيد علي عتلم… سيرة عالم رفع راية السنة
في يوم 24 مايو سنة 1939، وُلد واحد من كبار علماء الأمة، فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الحكم السيد علي عتلم، ابن محافظة المنوفية، ذلك الإقليم الذي أهدى الأزهر والأمة رجالاتٍ من نور. نشأ الدكتور عبد الحكم في بيئة تتنفس العلم والدين، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا، وتشرّب حب الشريعة منذ نعومة أظافره، وأتم تعليمه الابتدائي والثانوي في بلدته قبل أن يشدَّ الرحال إلى القاهرة لينطلق في رحلته العلمية المباركة.
ـ رحلة علمية بدأت من الأزهر:
التحق الدكتور عبد الحكم بكلية أصول الدين – قسم التفسير والحديث – وحصل على الليسانس عام 1960. لم يكتفِ بالمعرفة الأساسية، بل شق طريق الدراسات العليا في علوم القرآن، ثم نال درجة الدكتوراه في الحديث وعلومه، لتبدأ بعدها مرحلة التحول التي قادته للتخصص العميق في هذا العلم الجليل، فعُيّن أستاذًا في قسم الحديث، وبدأ نوره ينتشر بين طلاب العلم.
ـ عطاء مستمر داخل مصر وخارجها:
مارس الدكتور عبد الحكم التدريس في جامعة الأزهر الشريف، ثم أُعير إلى جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، حيث ترك أثرًا علميًا كبيرًا. كما درّس في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الملك خالد في أبها، وكانت بصمته المعرفية هناك محل تقدير واسع من الأساتذة والطلاب.
ـ إسهامات علمية راسخة:
ترك الدكتور عبد الحكم إرثًا مهمًا من الكتب والأبحاث، أبرزها:
شرح المختار من المتواتر من الأخبار: وقد شرح فيه 15 حديثًا من كتاب الأزهار المتناثرة.
أضواء من السنة: من أهم كتبه وأكثرها انتشارًا، يجمع بين العمق والبساطة، ويُبرز مكانة السنة كمنهج حياة.
مصطلح الحديث والرجال: عمل قيّم في خدمة طلبة العلم.
لم يتوقف عطاؤه عند الكتب، فقد أشرف على عشرات الرسائل العلمية من ماجستير ودكتوراه، وكان معروفًا بين طلابه بأنه لا يبخل بعلم أو نصيحة.
كما كان للدكتور عبد الحكم دور وطني مشرّف بمشاركته في ملحمة نصر أكتوبر المجيدة، ليجمع بين خدمة الوطن وخدمة الدين.
كتابه: "أضواء من السنة"
في هذا الكتاب المتميز، يوضح الدكتور عبد الحكم أهمية التمسك بالسنة النبوية، خاصة في زمن كثرت فيه الفتن، واستشرى الابتعاد عن الدين وانتشرت البدع. يرى أن السنة ليست مجرد مصدر تشريعي، بل طوق نجاة، ومفتاح لفهم القرآن وتطبيقه.
تناول في الكتاب أحاديث نبوية بالشرح والتحليل، ليُقَدِّم للقارئ فهمًا أعمق للسنة وكيفية تطبيقها في الحياة اليومية، في أسلوب سهل وواضح.
رسالة الدكتوراه: الحافظ السيوطي وجهوده في الحديث
كانت رسالته للدكتوراه بعنوان "الحافظ جلال الدين السيوطي وجهوده في الحديث وعلومه"، وقدّم فيها دراسة موسعة عن شخصية السيوطي العلمية والسياسية. تناول النشأة، والجهود، والظروف التاريخية التي عاش فيها هذا الإمام الموسوعي.
أكد الدكتور عبد الحكم في مقدمة رسالته على ضرورة تعليم السنة للأطفال منذ الصغر، حفاظًا على دينهم، ولتربية جيل صحيح الفكر مستقيم السلوك.
وفي ختام الرسالة، وصف السيوطي بأنه ليس مجرد عالم، بل موسوعة إنسانية تستحق أن تُعرَض في وسائل الإعلام ليقتدي الناس بعلمه وزهده وخلقه. كما دعا الهيئات الإسلامية إلى نشر الرسالة والاهتمام بها؛ لأنها غذاء للروح والعقل لا يقل أهمية عن رغيف العيش.
- رحيل جسد… وبقاء أثر
لا يزال الكثير من طلابه يتذكرون أخلاقه العالية، وتواضعه، ورغبته الدائمة في خدمة العلم. رحل الجسد، لكن بقي الأثر، وبقيت الكتب شاهدة على عالم نذر حياته للسنة النبوية.
نسأل الله أن يرحم فضيلة الدكتور عبد الحكم السيد علي عتلم، وأن يجعل علمه صدقة جارية، وأن يرزقه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم آمين.
تحرير: مريم أشرف