هديل فوحان… ابنة الريف الجزائري التي جعلت من الألم حبرًا ومن الحلم طريقًا
في ولاية برج بوعريريج، وبالتحديد في منطقة أولاد براهم، ولدت هديل فوحان ذات الهمّة التي لا تُقهر. فتاة جزائرية في عمر العشرين، لكنها تحمل في قلبها تاريخًا من الصبر والمعاناة يفوق سنواتها بكثير. تنحدر من سلالة علامة الأمة البشير الإبراهيمي، وهو نسب تفتخر به، لكن فخرها الحقيقي كان دومًا قوتها الداخلية وإصرارها على أن تصنع لنفسها مكانًا في هذا العالم رغم الصعاب.
منذ طفولتها، لم تعرف هديل معنى الحياة السهلة؛ قضت سنوات بين المستشفيات، وفقدت الكثير من لحظات الطفولة التي يستمتع بها الآخرون. لكنها عوضت كل ذلك بخلق عوالم واسعة داخل خيالها، تهرب إليها من قسوة الواقع. تعرضت للظلم والسخرية، لكنها لم تسمح يومًا أن تنطفئ شمعة الأمل داخلها.
البداية… حين يصبح الألم لغة
عام 2023 لم يكن مجرد سنة عابرة في حياتها، بل كان نقطة التحوّل الكبرى. أدركت هديل أن الكتابة ليست هواية، بل ولادة متأخرة لحقيقتها. تذكرت خربشاتها القديمة التي كانت تخفيها كسر صغير في طفولتها، وقراءات قصص الأطفال التي كانت تغرق فيها حتى يظن والدها أنها تلوّن الصور فقط، بينما كانت هي تلوّن عالمها الداخلي بالكلمات.
في المرحلة الابتدائية، كانت تجد صعوبة في التعبير، وكأن مشاعرها أعمق من الكلمات المتاحة لديها. وعندما كتبت موضوع شهادة التعليم الابتدائي، شعرت أنها تنفّست للمرة الأولى… خرج ما بداخلها دفعة واحدة.
القراءة… الشرارة التي أعادت الروح
في السنة الأولى ثانوي، أهدى لها أستاذ كتاب نظرية الفستق. في البداية لم تتحمس، لكنها ما إن قرأته حتى اندلع شغف القراءة من جديد داخلها، وأضاء لها طريقًا كانت تجهله. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الكتابة قرارًا لا رجعة فيه.
ورغم رسوبها في البكالوريا، رأت في ذلك امتحانًا إلهيًا لا عقوبة. بل كانت تقول دائمًا:
"لو لم أرسب، لما كتبت… ولما اكتشفت الطريق الذي خُلقت له."
من الخربشات إلى آلاف القرّاء
شاركت هديل لاحقًا في كتب جامعية، ثم ابتعدت عنها لتكتب بحرية أكبر. فكتبت كتاب "التضحية" الذي تجاوز 2,900 قارئ، وحصد تعليقات أثنت على صدقها وعمقها. ثم فازت في بلديتها بأفضل مشروع بكتابها "فيض الحلم للتضحية".
خلال سنة واحدة فقط، قرأت ما يقارب 20 كتابًا، ومنذ طفولتها حتى اليوم ربما فاقت قراءاتها 100 كتاب. كل كتاب كان نافذة جديدة للعالم، ومعلّمًا إضافيًا في رحلة النضج.
كسر الحدود… رواية تصل إلى العالم
ألفت هديل رواية بعنوان "خطيئة تنبت" مع دار ببلومانيا المصرية، ونشرتها على أمازون وجوجل بلاي، ووصلت إلى قرّاء في دول عربية وفي تركيا وإسبانيا.
أن يرى الكاتب كلماته تتجاوز الحدود، هو شعور لا يُشبه شيئًا… وهذا ما عاشته هديل بكل فخر.
طموح لا يتوقف… ومنافسة تنتظر نتيجتها
شاركت في عدة مسابقات نشر مجانية، ولم يحالفها الحظ بعد، لكن قلبها ما زال مؤمنًا بأن القادم أجمل. وهي اليوم تنتظر نتائج مسابقة محمود تيمور التي ستعلن في 15 ديسمبر، وكلها أمل أن تحمل لها لحظة تتوّج بها تعب السنين.
صوت يصل إلى القلوب
فتحت هديل بابًا آخر لإبداعها، عبر صناعة المحتوى الصوتي على يوتيوب. تلقي نصوصها بصوتها، وتصل مقاطعها إلى ما يصل 2000 مشاهدة. ورغم المتابعين المئة فقط، إلا أن حلمها كبير، وإيمانها بقدرتها أكبر.
رحلة ملهمة… ليست مجرد قصة
قصة هديل ليست رواية تُقرأ، بل درس لكل من يحارب الألم بابتسامة. لكل شخص من ذوي الهمم العالية الذين عرفوا أن الله لا يضع في طريقهم ابتلاء إلا ليحملهم إلى مرتبة أعلى مما طلبوا.
هي تقول بثقة:
"لم يكن هذا طريقي… كان طريق الله. وأنا فخورة بكل خطوة مشيتها وحدي."
ختامًا
هديل فوحان ليست مجرد كاتبة شابة؛ إنها روح قوية، وفتاة ريفية صنعت من السقوط بداية، ومن الألم قوة، ومن الحلم حياة.
طريقها ما زال في بدايته، لكن بدايته وحدها تكفي لتعلن أن الغد يحمل اسمها.
ننتظر المزيد من نجاحاتك يا هديل… ولعل السماء تخبئ لك ما هو أعظم.